علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )

65

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )

عباس : رماه جبريل بورقة خضراء فألهب بصره ووجعت عينه فجعل يضرب برأسه الجدار ، حتى هلك وفي رواية الكلبي قال : أتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة ومعه غلام له وفي رواية فجعل ينطح رأسه في الشجرة ويضرب وجهه بالشوك فاستغاث بغلامه ، فقال له غلامه : ما أرى أحدا يصنع بك شيئا غيرك فمات ، وهو يقول قتلني محمد ومر بهما الأسود ابن عبد يغوث فقال جبريل : كيف تجد هذا يا محمد ؟ فقال : بئس عبد اللّه على أنه خالي . فقال جبريل : قد كفيته وأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات . وفي رواية الكلبي أنه خرج من أهله . فأصابه سموم فاسود وجهه حتى صار حبشيا ، فأتى أهله فلم يعرفوه وأغلقوا دونه الباب فمات ، وهو يقول : قتلني رب محمد . ومر بهما الحارث بن قيس فقال جبريل : كيف تجد هذا يا محمد ؟ فقال : عبد سوء فأومأ جبريل إلى رأسه . وقال قد كفيته فامتخط قيحا فقتله . وقال ابن عباس : إنه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فلم يزل يشرب الماء حتى أنقد بطنه فمات . فذلك قوله تعالى إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ يعني بك وبالقرآن . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 96 إلى 99 ] الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 96 ) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 ) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 ) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ يعني إذا نزل بهم العذاب ففيه وعيد وتهديد . قوله سبحانه وتعالى وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ يعني بسبب ما يقولون ، وهو ما كانوا يسمعونه من الاستهزاء به ، والقول الفاحش والجبلة البشرية تأبى ذلك فيحصل عند سماع ذلك ضيق الصدر ، فعند ذلك أمره بالتسبيح والعبادة وهو قوله فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قال ابن عباس : فصلّ بأمر ربك وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ يعني من المتواضعين للّه ، وقال الضحاك فسبح بحمد ربك قل سبحان اللّه وبحمده وكن من الساجدين يعني من المصلين روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، قال بعض العارفين من المحققين : أن السبب في زوال الحزن عن القلب ، إذا أتى العبد بهذه العبادات أنه يتنور باطنه ويشرق قلبه ، وينفسح وينشرح صدره فعند ذلك يعرف قدر الدنيا وحقارتها فلا يلتفت إليها ، ولا يتأسف على فواتها فيزول الهم والغم والحزن عن قلبه . وقال بعض العلماء : إذا نزل بالعبد مكروه ففزع إلى الصلاة فكأنه يقول : يا رب إنما يجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني ما أحب أو كفيتني ما أكره ، فأنا عبدك وبين يديك فافعل بي ما تشاء . قوله تعالى وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ يعني الموت الموقن به الذي لا يشك فيه أحد ، والمعنى واعبد ربك في جميع أوقاتك ، ومدة حياتك حتى يأتيك الموت وأنت في عبادة ربك ، وهذا مثل قوله تعالى في سورة مريم وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا روى البغوي بسنده عن جبير بن نفير قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ما أوحى اللّه إليّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين ، ولكن أوحى إليّ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين » وعن عمر قال : نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق به فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « انظروا إلى هذا الذي نور اللّه قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذيانه بأطيب الطعام والشراب ولقد رأيت عليه حلة شراها ، أو قال : شريت له بمائتي درهم فدعاه حب اللّه ، وحب رسوله إلى ما ترون » ذكره البغوي بغير سند واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه .